نخبة من الأكاديميين
739
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
المخصّصة لتداول الطلّاب ، فقد بقي في تلك الفترة وفي الغالب عملًا فرديّاً . ويبدو أنّ إصدار الموجز الضخم للعلوم الرياضيّة ( Mecmua - i ulum - i riyaziye ) لإسحاق أفندي ، بين العامين 1831 و 1834 ، في أربعة مجلّدات ضخمة ، قد ختم هذه المرحلة الأولى من التطوّر . هذا المؤلَّف يستوحي بشكل واضح كتاب بيزو ( Bezout ) « 1 » في الرياضيّات ، الموجَّه إلى المدارس العسكريّة والذي يتألّف هو أيضاً من أربعة مجلّدات ؛ ولكنّه أكثر طموحا من كتاب بيزو لأنّه رمى بشكلٍ ما ، إلى احتواء مجموع المعارف العلميّة المُتاحة وقتئذٍ في تركيا . فهو يحتوي خاصّة ، بعكس المثال الفرنسي الذي استوحاه ، قسماً حول الحساب التفاضلي والتكاملي ، وقسماً حول علم الفلك ، كما يحتوي قسماً حول الكيمياء ) بما لا يوحي به عنوانه ( . هذا المؤلَّف يشكّل ، بلا شك ، مرحلةً بالغة الأهميّة في تكوين لغة علميّة بالتركيّة ، بالرغم من الظروف غير المشجّعة آنذاك ؛ فالتبعيّة للمؤسّسة العسكريّة وغياب الأخصّائيّين الحقيقيّين في بعض العلوم عرّضا أحياناً للخطر استمرار الخيارات اللغويّة للمؤلِّف « 2 » . ولكنّ الانطلاقة الجديدة في نقل العلوم لم تحصل إلّا بدءاً من إعلان " التنظيمات " في العام 1839 ، الذي وضع تركيا ، بطريقة أكثر تأكيداً ، على طريق الإصلاحات وأدّى إلى إخراج التحديث العلمي من الفلك العسكري ليَدْمجَه في الميدان المدني . عند ذلك فقط طُرِح ، على صعيد مؤسَّسي ، توسيعُ نقل المعرفة العلميّة إلى حقولٍ أخرى ؛ ولم يحدث هذا التوسيع بالفعل إلّا في الأعوام 1860 ، كما في حالة العلوم الطبيّة . 3 - 2 . مصر محمّد علي سارت مصر ، هي الأخرى في تلك الأثناء ، على طريق النقل الكثيف للمعارف العلميّة والتقنيّة الأوروبيّة ، واستلمت ، بشكل أو بآخر ، مشعل حركة النقل من تركيّا . وكانت مصر مقاطعة عثمانيّة ، رسميّاً ؛ إلّا أنّها كانت مستقلّة واقعيّاً ، منذ وصول محمّد علي إلى السلطة في العام 1805 . وعلى عكس ما جرى في الحقبة التركيّة الأولى ، فإنّ حقل الإصلاحات في مصر ، تجاوز بسرعة وبشكل واسع ، الإطار العسكري البحت . فالتحدّي الأوروبي ، كان بنظر حاكم مصر الجديد ، تحدّياً اقتصاديّاً أيضاً ، هو إطلاق الموارد المادّية لوادي النيل ، وتنميتها وتمكينها من أن تنافس ، على أرضها ، اقتصاداً أوروبيّاً كانت صادراتُه تُزَعزع الاقتصاد المصري منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر . برنامج محمّد علي ، بتضمّنه هذا البعد الاقتصادي الذي أدّى إلى خلق مدارس مدنيّة بدءاً من العام 1830 ، وبإطلاقه حركة واسعة من المشاريع غير المسبوقة في المنطقة ( مثل خلق مدرسة للّغات وتحويله عمل الترجمة العلميّة إلى مهنة ) ، تجاوز كثيراً طموحات معاصريه الأتراك أو الفرس . وأكثر من ذلك ، شكّلت التجربة المصريّة للمنطقة بأسرها لاحقاً ، مرجعاً ، بل نموذجاً ، تطمح لتحقيقه .
--> ( 1 ) * بيزو المذكور هو رياضي فرنسي شهير من القرن التاسع عشر ( المترجِم ) . ( 2 ) - أنظر ، لتحليل تاريخ اللغة في حالة الكيمياء ، غونرغون ، Gunergun , " Chemical nomenclature " .